ابن ميثم البحراني
374
شرح نهج البلاغة
هو سبب الحياة ، وأمّا التنقية فهي باستصحابه عند ردّ النّفس لما سلَّمته إليه القوّة المميّزة من البخار الدخانيّ الَّذي نسبته إلى الروح نسبة الخلط الفضلىّ إلى البدن فكما أنّ التعديل هو بورود الهواء على الروح عند الاستنشاق فالتنقية بصدوره عنه عند ردّ النفس وذلك أنّ الهواء المستنشق إنّما يحتاج إليه في تعديله أوّل وروده لكونه باردا بالفعل فإذا استحال إلى كيفيّة الروح بالتسخّن لطول مكثه بطلت فايدته فاستغنى عنه واحتيج إلى هواء جديد يدخل ويقوم مقامه فدعت الضرورة إلى إخراجه لإخلاء المكان لمعاقبة وليندفع معه فضول جوهر الروح . فهذا معنى قوله عليه السّلام : وأعدّ الهواء متنسّما لساكنها . واعتبار إعداده لمنفعة الحيوان أعمّ ممّا ذكرنا فإنّه أيضا معدّ لساير الأمزجة المعدنيّة والنباتيّة والحيوانيّة الَّتي يحتاج الإنسان في بقائه إليها وكونه عنصرا لها ومعتبرا في بقائها . وعند ملاحظة هذه المنافع عن الهواء يظهر أثر نعمة اللَّه به . البحث السابع : في إخراجه تعالى أهل الأرض إليها بعد تمام مرافقها كما قال تعالى « وَالأَرْضَ مَدَدْناها وأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ومَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ » ( 1 ) والإشارة بأهلها المخرجين إليها إلى الحيوان مطلقا . وأعلم أنّ أوّل ارتفاقهم بها أن جعلها قرارا لهم صالحا للسكنى عليها كما قال تعالى « الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشاً » ولكونها فراشا شرايط : أحدها : أن تكون ساكنة ليصحّ الاستقرار عليها والتصرّف فيها بحسب الاختيار وموافقة المصلحة دون كونها متحرّكة . الثاني : أن تكون خارجة من الماء وذلك أنّ الإنسان وغيره من الحيوان البريّة لا يمكنه أن يعيش في الماء فاقتضت عناية الحقّ سبحانه بالحيوان أن أبرز بعضها من الماء ليعيش فيه ويتصرّف عليه . الثالث : أن لا يكون في غاية الصلابة كالحجر وإلَّا لكان النوم والمشي عليها مؤلما ، وأيضا لم يكن لينبت فيها أنواع النبات والأشجار ، وأيضا لكانت تسخن في الصيف
--> ( 1 ) 15 - 19 .